محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

641

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

والمحاجّة في اللّه وهو لا يحتاج إلى حجّة ؛ إذ الفطرة تشهد شهادة بيّنة بأنّه ربّنا وربّكم ، وكذلك الخوض بعد الخاطرين في وحدانية اللّه وصفات ذاته وصفات أفعاله إلى جميع المسائل ، وأنّه علّة موجبة ، وأنّه بذاته عالم أو لذاته علم ، وأنّه كيف يصدر عنه الموجودات وكيف يحيط بها علما وكيف يريدها مشيّة وكيف يدبّرها تدبيرا ، كلّ ذلك خوض فيما لم يؤمر به واحتيال الشيطان عن الفطرة الأولى ، وصبغة اليهود باليهودية والنصارى بالنصرانية والمجوس بالمجوسية ؛ فوقعت اليهود في التشبيه والتعطيل ، والنصارى في التجسيد والتمثيل ، والمجوس في الثّنوة وقسمة الخير والشرّ على النور والظلمة ، وكلّ يحاجّ في اللّه ، ويظهر حجّته على دين اللّه . والمخلصون يقولون ما من خاطر يخطر بالبال إلّا وهو تعالى ربّنا وخالقه ، وما من حجّة في المقال إلّا وهو تعالى حاكمنا وحاكمها ، وما من متخاصمين متحاجّين في اللّه إلّا والحاكم فيما بينهما أمره وصاحب أمره ؛ فلنا أعمالنا ؛ إذ أقمنا على الفطرة ، ولكم أعمالكم ؛ إذ خرجتم عن الفطرة ؛ ونحن له مخلصون ؛ إذ بقينا على خلوص الفطرة ، لا أنتم ؛ إذ خالفتم الفطرة وشاركتم الشيطان حين احتالكم عن الفطرة وسوّل لكم أنّ الفطرة غير شاهدة ببديهتها ؛ فلا بدّ من بيّنة وحجّة يورث اليقين وأنّ عقولكم غير عاجزة عن إقامة البينّة والحجّة ؛ فلا تحتاجون إلى نبيّ يهديكم ووليّ يرشدكم ؛ فأخرجهم عن نور المحجّة البيضاء التي ليلها كنهارها إلى ظلمات الطواغيت ، وتركهم حيارى متخاصمين متخاذلين متحاجّين في اللّه ، وهو ربّ الكلّ ، وخالق الكلّ ، ويشككون أنفسهم في اللّه وهو فاطر السماوات والأرض . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 140 ] أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 ) النظم بيّن الربّ تعالى في الآيات الماضية دين إبراهيم وبنيه وملّتهم ثمّ عقّب ذلك بالرّد على اليهود والنصارى في قولهم ( 259 ب ) إنّهم كانوا هودا أو نصارى .